ابن قيم الجوزية

113

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

واقتراب أجله . فقال في آخر سورة أنزلت عليه : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ( 1 ) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً ( 2 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً ( 3 ) [ النّصر : 1 - 3 ] . ومن هاهنا فهم عمر وابن عباس - رضي اللّه عنهم - أن هذا أجل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أعلمه به ، فأمره أن يستغفره عقيب أداء ما كان عليه . فكأنه إعلام بأنك قد أديت ما عليك ، ولم يبق عليك شيء . فاجعل خاتمته الاستغفار ، كما كان خاتمة الصلاة والحج وقيام الليل . وخاتمة الوضوء أيضا أن يقول بعد فراغه « سبحانك اللهم وبحمدك . أشهد أن لا إله إلا أنت . أستغفرك وأتوب إليك ، اللهم اجعلني من التوابين . واجعلني من المتطهرين » . فهذا شأن من عرف ما ينبغي للّه ، ويليق بجلاله من حقوق العبودية وشرائطها . لا جهل أصحاب الدعاوى وشطحاتهم . وقال بعض العارفين : متى رضيت نفسك وعملك للّه ، فاعلم أنه غير راض به . ومن عرف أن نفسه مأوى كل عيب وشر ، وعمله عرضة لكل آفة ونقص ، كيف يرضى للّه نفسه وعمله ؟ . وللّه در الشيخ أبي مدين حيث يقول : « من تحقق بالعبودية نظر أفعاله بعين الرياء ، وأحواله بعين الدعوى ، وأقواله بعين الافتراء . وكلما عظم المطلوب في قلبك ، صغرت نفسك عندك ، وتضاءلت القيمة التي تبذلها في تحصيله . وكلما شهدت حقيقة الربوبية وحقيقة العبودية ، وعرفت اللّه ، وعرفت النفس ، وتبين لك أن ما معك من البضاعة لا يصلح للملك الحق ، ولو جئت بعمل الثقلين خشيت عاقبته وإنما يقبله بكرمه وجوده وتفضله . ويثيبك عليه أيضا بكرمه وجوده وتفضله » . التعيير بالذنب وفائدة الاعتبار وقوله « وكل معصية عيّرت بها أخاك فهي إليك » . يحتمل أن يريد به : أنها صائرة إليك ولا بد أن تعملها . وهذا مأخوذ من الحديث الذي رواه الترمذي في « جامعه » عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « من عيّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله » قال الإمام أحمد ، في تفسير هذا الحديث : من ذنب قد تاب منه . وأيضا : ففي التعيير ضرب خفي من الشماتة بالمعيّر ، وفي « الترمذي » أيضا مرفوعا « لا تظهر الشماتة لأخيك ، فيرحمه اللّه ويبتليك » . ويحتمل أن يريد : أن تعييرك لأخيك بذنبه أعظم إثما من ذنبه . وأشد من معصيته . لما فيه من صولة الطاعة ، وتزكية النفس ، وشكرها ، والمناداة عليها بالبراءة من الذنب . وأن أخاك باء به . ولعل كسرته بذنبه . وما أحدث له من الذلّة والخضوع ، والإزراء على نفسه ، والتخلص من مرض الدعوى ، والكبر والعجب ، ووقوفه بين يدي اللّه ناكس الرأس ، خاشع الطرف ، منكسر القلب : أنفع له ، وخير من صولة طاعتك ، وتكثّرك بها والاعتداد بها ، والمنّة على اللّه وخلقه بها . فما أقرب هذا العاصي من رحمة اللّه ! وما أقرب هذا المدلّ من مقت اللّه . فذنب تذل به لديه ، أحب إليه من طاعة تدل بها عليه . وإنك أن تبيت نائما وتصبح نادما ، خير من أن تبيت قائما وتصبح معجبا ، فإن المعجب لا يصعد له عمل . وإنك إن تضحك وأنت معترف ، خير من